أحمد مصطفى المراغي
164
تفسير المراغي
المعنى الجملي بعد أن بين سبحانه في الآيات السالفة أن الشيطان يعدهم ويمنيهم ، ويدخل في تلك الأماني ما كان يمنّيه أهل الكتاب من الغرور بدينهم ، إذ كانوا يرون أنهم شعب اللّه الخاص ، ويقولون : إنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات ، وقد سرى لهم هذا الغرور من اتكالهم على الشفاعات وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء ، فهم يدخلون الجنة بكرامتهم لا بأعمالهم . حذّرنا في هذه الآيات الكريمات أن نكون مثلهم ، وكانت هذه الأماني قد دبّت إلى المسلمين في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم كما دل على ذلك قوله « أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ » الآية ، فلضعفاء الإيمان من المسلمين في الصدر الأول ولأمثالهم في كل زمان أنزلت هذه الموعظة ، ولو تدبروها لما كان لهذه الأماني عليهم من سلطان . أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفا . « ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل » وقال الحسن : إن قوما غرّتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملوءون بالذنوب ، ولو صدقوا لأحسنوا العمل . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدّى قال « التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقال اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ، ديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم ونحن على دين إبراهيم ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا . وقالت النصارى مثل ذلك ، فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم ونبينا بعد نبيكم ، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم ، فنحن خير منكم ، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق